منتدى شباب طابة ثقافة الرضا والحمد هى الواقي الحقيقي وقت الأزمات

منتدى طابة للشباب: الصحة النفسية للشباب في عالم متغير

عقدت مؤسسة طابة للأبحاث والاستشارات الحلقة النقاشية الثامنة عشرة من منتدى الشباب تحت عنوان “الصحة النفسية للشباب في عالم متغير”، وذلك بحضور د. أيمن عبد الوهاب نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، ومشاركة مجموعة من مدربي الصحة النفسية وطلاب الجامعات، وإدارة الدكتور يوسف ورداني مدير مركز تواصل مصر لدراسات وبحوث الشباب.

أكد ورداني في بداية الحلقة على أهمية دراسة موضوع الصحة النفسية وارتباطه بالفئات الاجتماعية المختلفة لاسيما في ظل التحديات الداخلية التي تواجهها الدولة، والظروف المعقدة على المستوى الإقليمي، وحالة السيولة وعدم اليقين على المستوى العالمى مشيرًا إلى أن فئة الشباب هى الأكثر قلقًا بحكم سمات شريحتهم العمرية التي تمتاز بالحماس والاستقلالية والتمرد والقلق على المستقبل والسعى المستمر للبحث عن دور، وأن أجهزة الدولة المصرية انتبهت إلى أهمية هذه القضية، فكثفت من جهودها لدمج الشباب في كافة مناحي الحياة.

وقد فرق المشاركون في الحلقة بين مفهوم الصحة النفسية والمرض النفسي مشيرين إلى أن الأول حالة عامة ترتبط بكون الشاب سويًا في مجتمعه وتفاعلاته مع المجتمع المحيط بينما يعبر الثاني عن اختلالات حادة في المشاعر والسلوك لا يجوز تشخيصها إلا بواسطة طبيب، وذلك بما يشمل أمراض مثل اضطرابات القلق والاكئتاب والتوحد وانفصام الشخصية. وأعربوا عن وجود مجموعة من العوامل المتداخلة التي تؤثر على حالتهم النفسية أبرزها على المستوى الشخصي: العلاقة مع أسرهم والصراع بين الطريق الذي يرون أنه يحقق ذواتهم وبين المسار التي تدفعهم أسرهم للسير فيه، والبحث عن فرصة عمل لائقة بعد التخرج، والاختيار الصحيح لشريك الحياة، ومدى احساسهم بآدميتهم في المجتمع. وعلى المستوى العام: التغيرات التي حدثت في مصر بعد عام 2011 والتي شكل بعضها امتدادًا للفترة السابقة عليها خاصة ما يرتبط منها بتكريس تعددية أنماط التعليم، ووجود اختلالات في منظومة القيم، وتراجع دور العادات والتقاليد كإطار منظم للتفاعلات للاجتماعية، وغلبة التدين الشكلي على التدين الحقيقي، وعدم ملائمة جانب كبير من الخطاب الديني السائد لنوعية المشاكل والمستجدات التي يواجهونها في حياتهم اليومية.

وأوضح المشاركون أن هذه العوامل تتداخل مع التغيرات في البيئة العالمية من حولهم، والتي باتت تعطي الأولوية لقيم النزعة الفردية، والاستهلاك المادي، والعلمانية المفرطة، والتحرر من فكرة الأرض وحب الوطن لصالح فكرة العولمة والحدود المفتوحة بين الدول والأشخاص، وتحاول أن تفرض أنماطًا بديلة للسلوك الإنساني مثل المثلية الجنسية والارتباط خارج إطار الأسرة والإلحاد وغيرها من القيم التي تتعارض مع قيم المجتمع المصري.

وقد أوصى المشاركون بأهمية النظرة الشاملة لموضوع الصحة النفسية للشباب لا باعتبارها قضية ترفية بل باعتبارها قضية حاكمة في تفاعلات الشباب مع بعضهم البعض ومع المجتمع المحيط من حولهم.

فعلى مستوى الفرد، أكد الشباب على أهمية التصالح الذاتي مع الذات، وإعطاء الأولوية لثقافة الرضا والحمد، والموازنة بين اعتبارات القضاء والقدر والتخطيط الجاد للمستقبل، وعدم الانجرار وراء ثقافة المنافسة المقيتة في بيئة الحياة والعمل. وكذلك عدم النظر إلى المرض النفسي على أنه وصمة اجتماعية تطارد أصحابها. وشدد بعض المشاركين على أهمية قيام الشباب والفتيات بدراسة التاريخ وشخوصه، والاستفادة من خبرات الدول الأسيوية الناجحة والتي لا تبالغ في تعظيم دور “الفرد البطل”، وتؤكد على أهمية العمل الجماعي المستدام، والذي لا يقتصر فقط على أوقات الخطر والمحن.

وعلى مستوى مؤسسات التنشئة، طالب المشاركون هذه المؤسسات بإدراك اختلاف الأولويات والقيم بين فئات الشباب المختلفة بحكم تباين ظروف التنشئة والتجارب الخاصة التي مروا بها، وإدراج الأبعاد المختلفة لموضوع الصحة النفسية في المناهج الدراسية، وتخصيص أيام توعوية بأهمية هذه القضية في المدارس والجامعات، وتكثيف البرامج التي تنفذها الوزارات ومؤسسات المجتمع المدني لتوعية الأسر بكيفية التعامل الإيجابي مع النشء والمراهقين، وعدم تركهم فريسة لوسائل التواصل الحديثة التي تسهم في زيادة انعزالهم وإصابتهم بالأمراض النفسية بدءًا من سن الطفولة المبكرة. وشدد المشاركون على أهمية تطوير آليات عمل المؤسسات الدينية خاصة في التفاعل مع الأجيال الأصغر سنًا، وذلك على أساس كون الدين إطارًا استيعابيًا متكاملًا يساعد الإنسان على تقبل ذاته والآخرين، ويمنحهم القدرة على اجتياز كافة المتناقضات الذين يواجهونها في الحياة.

وعلى مستوى مؤسسات الدولة، رأى المشاركون أن الصحة النفسية للشباب سوف تتحقق بالإعمال الكامل لدولة القانون، وتطبيق معايير الجدارة والكفاءة في كافة القطاعات، وبوجود حكومة مستجيبة لتطلعات واحتياجات المواطنين، وتوفير فرص عمل لائقة للشباب والفتيات، وإعادة إنتاج دور العلم بحيث يقدم حلول فعلية لمشاكل الواقع وتحدياته، وذلك كله في إطار من قيم الحرية والديمقراطية والمواطنة الفعالة، ودراسة المجتمع المصري والوقوف على عمق التغيرات الاجتماعية والثقافية التي أصابته.